الغزالي
75
إحياء علوم الدين
وتحسين صناعته ، في كف خادم يحكى ضياء وجهه الشمس في إشراقها ، ولكن من أين للشمس حلاوة مثل حلاوة صورته ، وحسن أصداغه ، وملاحة أحداقه فيا عجبا لمن يؤمن بدار هذه صفتها ، ويوقن بأنه لا يموت أهلها ، ولا تحل الفجائع بمن نزل بفنائها ، ولا تنظر الأحداث بعين التغيير إلى أهلها ، كيف يأنس بدار قد أذن الله في خرابها ، ويتهنأ بعيش دونها ! والله لو لم يكن فيها إلا سلامة الأبدان ، مع الأمن من الموت ، والجوع ، والعطش ، وسائر أصناف الحدثان لكان جديرا بأن يهجر الدنيا بسببها ، وأن لا يؤثر عليها ما التصرّم والتنغّص من ضرورته . كيف وأهلها ملوك آمنون ، وفي أنواع السرور ممتّعون ، لهم فيها كل ما يشتهون ، وهم في كل يوم بفناء العرش يحضرون ، وإلى وجه الله الكريم ينظرون ، وينالون بالنظر من الله ما لا ينظرون معه إلى سائر نعيم الجنان ولا يلتفتون ، وهم على الدوام بين أصناف هذه النعم يترددون ، وهم من زوالها آمنون ! قال [ 1 ] أبو هريرة : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « ينادى مناد يا أهل الجنّة إنّ لكم أن تصحّوا فلا تسقموا أبدا وإنّ لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا وإنّ لكم أن تشبّوا فلا تهرموا أبدا وإنّ لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدا فذلك قوله عزّ وجلّ * ( ونُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) * « 1 » ومهما أردت أن تعرف صفة الجنة فاقرأ القرءان ، فليس وراء بيان الله تعالى بيان . واقرأ من قوله تعالى * ( ولِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّه ِ جَنَّتانِ ) * « 2 » إلى آخر سورة الرحمن . واقرأ سورة الواقعة ، وغيرها من السور . وإن أردت أن تعرف تفصيل صفاتها من الأخبار فتأمل الآن تفصيلها ، بعد أن اطلعت على جملتها وتأمل أوّلا :
--> « 1 » الأعراف : 43 « 2 » الرحمن : 46